الثلاثاء، 26 أغسطس، 2014

بعد نحو 5 أعوم من الاغتراب الروحي .. وفقدان البوصلة.. عود إلى حميمية المدونات؛ هرباً من صخب "الفيسبوك" وزيف الحياة ..

الثلاثاء، 11 يناير، 2011

إلى روح ياسر القاضي تغمده الله بواسع رحمته



نفرُّ من الموت في صحونا

نفرُّ من الموتِ في نومنا

وندخلُ من جهلنا في بروجٍ

لئلا يجينا..

وحين نظنُّ النوى مستقراً

ونشعرُ أنّا ملكنا السفينا

وننثرُ فوق الهضابِ وروداً

على السالكينَ

يباغتنا عازماً مستبداً

فلا نملك المكث في الماكثينا

ويحملنا للتراب ترابٌ

ونسمع في السائرين الأنينَ

فيا ربّ طال الفرارُ فعفواً

ورحماك يا أرحم الراحمينَ

بفضلك أرجو اجتيازَ السراطِ

وأن تشملني في الفائزينَ


أيمن جمال الدين


الاثنين، 27 ديسمبر، 2010

وفي أذنيكِ .. يحلو صوتُ موالي


شربتُ الماء

لمّا مسّ شفتيكِ

وساغتْ كلُّ أحوالي

ففي عينيكِ..

يصفو لحنُ أغنيتي

وفي أذنيكِ ..

يحلو صوتُ موالي

وبين يديكِ ..

يغدو الموتُ أمنيةً

تراودني..

بلا خوفٍ وإجفالِ

فأنت الأمسُ..

.. أنت اليومَ

أنت العالَمُ التالي

*****

فيا غراء ضميني

فقد طال الجفا المقسومْ

ورديني إلى داري

لأنقذ قلبي المحرومْ

فقد ضيعتُ أيامي

على أبوابك جناتكْ

وغول البعد أوقفني

على أعتاب أسواركْ

وسوط الظلم والطغيانِ

ألهبَ ظهريَ العاري

فكيف أقول أغنيتي

وأنشد بعض أشعاري

وصوتي تاه كاللقيا

وغال الليلُ قيثارك



أيمن جمال الدين

الأربعاء، 13 أكتوبر، 2010

رسائل إلى البحر



.. رسائل إلى البحر


(١)

قلتُ للريحِ احمليني

فوق حزني والهُمومْ

اعبُري بحرَ انكسارِي

بدّدي عنِّي الغُيومْ

هدهديني .. واحتويني

أخبريني مَنْ أكونْ؟

*****

قالتْ الريحُ رويداً

يا بريدَ التائهين

ما بوسعي أن أغنِّي

غيرَ لحنٍ كالأنينْ

كنتُ نسماتٍ تروِّي

كُلَّ وردٍ بالحنينْ

تنثرُ العِطرَ شجيّاً

بهجةً للناظرينْ

ثمّ غالَ الظلمُ رُوحي

وحنى مِنِّي الجبينْ

ماتَ قلبي واعترتني

قسوةٌ في كل حين

*****

كلُّ مَنْ يملك روحاً

وجناحاً أو قلمْ

طائراً نحو الأعالي

يتسامى..

مُتّهمْ

كيف للذلِّ تحدَّى..

كيف للمجدِ اقتَحَمْ!

.. والذي يملِكُ قلباً

فاضَ بالحُبِّ وَهَمّ

بالتآخي.. مُتهمْ!

فمتى تنسلُّ رُوحي

مِن دياجير الظُلَمْ

ومتى أطلق طيري

نحو آفاق القمم!

******

(٢)

خفتتْ دقاتُ الساعةِ

شلَّ الخوفُ عقاربَها

وهنتْ شحنتُها المخبوءةُ

في قُرصٍ كالفِضَّةِ

يبرقُ ...

لكنْ، مِثلَ صفيحْ

ويريدُ الناسُ بأنْ تَضْبِطَ

وقتَ بُزوغِ الفجرِ

ووقتَ غُروبِ الشمسِ

ووقتَ هُبوبِ الريح!

*****

مِثلُ المذبوحِ رقصتُ

وَرُحْتُ أصيحْ

وأخذتُ أفتَّشُ أمتعتي

والقلب جريح

تتنازع روحي

أسواطُ الجلاد

وأنّاتُ التبريحْ

*****

القلبُ الواهنُ

قلَّ تدفقُ دَمّ الشُريانِ إليهِ

وهنتْ نبضاتُ الإحساسِ لديهِ

وَيـُرَادُ بِأن يعرفَ طعمَ الحُبِّ

ومعنى العشقِ

وهمساتِ التبريحْ!!

(٣)

وسْطَ سُكونِ العَتْمَةِ

رُحْتُ أفتِّش عَنْ ذَاتِي

أبحثُ عن أمنيتي

عن كلماتٍ في أغنيتي

عن ريشٍ في أجنحتي

يحملني فوق معاناتي

ويمهّد دربي

فوقَ صخور حياتي

*****

خُضْتُ بِحَارَ العالَم

قُدتُ سفينةَ عُمرِي

كي أعبُرَ مأساتي

وأحطَّ على الشاطئِ

مَرْسَاتِي

لكنّ الموجَ الجامحَ

حَطَّمَ أشرِعَتِي

وأضاع الرعدُ مُناجَاتِي

*****

(٤)

ذوّت فرحة عمري

ضاعت بوصلةُ القُبطانْ

وسيولُ الباطلِ

أخمدت البُركان

وَطُوَالَ الرِّحلةِ

كانَ الحزنُ رفيقي

والخوفُ صديقي

مَنْذُ وجِدْتُ

وحتى الآنْ

*****

بينَ الأنواءِ..

الرعدُ تمرَّدَ والإعصارْ

والبرقُ/ النارْ

زمجرتْ الريحُ

وأظلمتْ الأجواءْ

انهمرَ الماءْ

كسيولِ الموتِ الهوجاءْ

والأسوأُ.... جاءْ

*****

(٥)

يا موج البحر..

سكون..

أرجوك تقبّل أغنيتي

أنصت للـ... المجنون

أبحثُ في صدري

عن درٍ مكنونْ

عن شيءٍ في قلبي

مدفونْ

عن أملٍ مأفونْ

*****

يا صوت الآه

أبحث عن شيءٍ

لا أدركُ معناهْ

بَيْنَ الأشياءِ البَرَّاقَةِ

ضاعَ وَتَاهْ

*****

(٦)

وَدّعتُ الريحْ

وعرفتُ بأنِّي

كنتُ أسيرَ الوهمِ

أغنّي بَين فحيحْ

أزرعُ بَسماتِي

في بُستانِ الشّوكِ

أحلِّقُ مِثْلَ مسيحْ

والعالَمُ مِنْ حولي

لا يُلقي بالًا لِكسيحْ

يطعنُ بالخنجرِ

ظهرَ جريحْ

يسترُ بالزائفِ

كُلّ قبيحْ

أيمن جمال الدين
الشارقة
10/10/2010

الخميس، 11 فبراير، 2010

سيظلُّ قلبي يا أبي يَشْتاَقُ لَكْ


(الصورة لأبي رحمه الله قبيل وفاته وهو يغادر بيتنا)



(إلى روح أبي رحمه الله، حرة طليقة، تحلق مثل طائر حر، بعد أن علمني قراءة الحرف الأول، وأخذ بيدي إلى الإبحار في دنيا الكلمات)

ما أجملك.. 

نَمْ مِثلَ نُورِ الشمس

يَسْكُنُ في الفلكْ

فالفجرُ لكْ

*****

ما زالَ دِفْئُكُ يَا أبي

يَسري بِصَدْرِي كَالدِماءْ

عصفتْ بِدَوْحةِ حُبِّنَا

في ذلك الوَحْشِ المساءْ

أنباءُ فَقْدِكَ يَا أَبِي

والخَوفُ جاءْ

*****

عِشنا معاً..

تَبْكِي كَمَا نَبْكِي

فنمحو أدمُعَكْ

وَتُنِيرُ ضِحْكَتُنا الليالي

نَقْطَعُ الدُنيا مَعَكْ

*****

في ذاتِ صُبحٍ

حولَ قائمِ مِخْدَعكْ

رُحْنَا نُدارِي حُزنَنَا

وَنَقُولُ لَكْ:

لا بأسَ يا أبتاهُ

مِن هذا الألمْ

كُلُّ الحِكايةِ

أنَّ خَطْباً قَدْ أَلَمّ

بعضُ الخَلايا أُجهِدَتْ

مِن "فَقرِ دَمْ"

فتهزُّ رأسَك يَا أبي

من دون شَكّ

*****

ونعودُ نًبكِي وحدَنَا

في غُرفِةِ البَيتِ البَعيدْ

فلَقَد عَلِمْنَا ذات يوم

مِن طَبيبْ

أنَّ المنايا أوشكتْ

أنْ تأسِركْ

*****

أذِنَ الرحيلُ

فسِرتُ يا أبتاه

أبكي باغتراب

أودعتُ نَفسِي في الثرى

في ذلك الليلِ السَّرابْ

وأَهَلْتُ مِن فَوقِي التُّرابْ

وَسَكَنْتُ يَا أبتاهُ

فِي رَحمِ المَنَايا

أرتجي ..

أن أحضنكْ

وأعودُ لَكْ

*****

لَكِنَّنِي..

وَمَعِي مِن العُمِرِ القليلْ

أبصرتُ نفسِي فجأةً

فِي الحَاضِرينْ

وَنَظَرْتُ حَوْلِي

فانتفضتُ مِن الحَنين

حينَ افتَقَدْتُكَ يَا أبي

في السَّائِرينْ

وانسابَ دَمْعِي

ذلكَ المُرُّ الحَزينْ

وَجَرَرْتُ خَطْوِي عَائِداً

كالآخَرِينْ..

فَسَمِعْتُ قَلِبي

يا أبي..

يَشْتَاقُ لَكْ


ملحوظة: مات أبي رحمه الله ذات مساء حزين من مساءات شهر فبراير عام 2007 من غير أن يعلم بحقيقة مرضه بسرطان الدم، أو هكذا نظن، بعد أن حرصنا على إخفاء ذلك عنه، مكتفين بادعاء أنه يعاني من مجرد كسل مؤقت في النخاع وبعض فقر الدم البسيط الذي يستلزم نقل الدم على فترات، فهل يا ترى صدقنا؟ أم أنه كان يعلم أن حبنا له "قتل" الحقيقة على أفواهنا.


أيمن جمال الدين

الأحد، 22 نوفمبر، 2009

"أشياء صغيرة"


..على أريكة متهالكة في بيتها القديم نامت تحلم مثل كل الأطفال بغد جديد يحقق آمالها التي عجز أبوها بمحدودية دخله الذي يحصلّه من وظيفته المتواضعة أن يحققها.. رأت العروسة التي صنعتها بالأمس من الورق لعبة جميلة مثل التي يشتريها "الآباء الحقيقيون" لأولادهم.

لم يستوعب عقلها الصغير لماذا يرفض والدها شراء عروسة لها؟ ولم تعرف كذلك لماذا لا تنام على سرير مثل غيرها من الأطفال الذين تراهم في التلفزيون في اللحظات القليلة التي يتاح لها أن تشاهده وهي في زيارة عمتها.

سمعت عروستها ترقص وتغني، تضحك وتبكي، تغمض عينيها وتفتحهما، بعد أن تقول: "ماما"..
- "حتى اللعبة غاضبة من "بابا" ولا تريد أن تنطق اسمه"، همست لنفسها وهي في اللحظات الأخيرة من "الحلم اللذيذ".

هزتها يد خشنة قطعت أحلامها الوردية.. صرخ فيها والدها:
- "تأخرتِ عن موعد المدرسة، وقد أتأخر عن العمل بسببك".
وقال لنفسه بأسى وهو ينظر إليها بإشفاق ممزوج بالغضب:
- "متى تكبرين لأرتاح من عناء توصيلك كل يوم؟".

فتحت عينيها بهدوء، لم تزد على ابتسامة حزينة.. "لو كانت أمها حية لما عاملتها أبدا بهذه الطريقة"، فهي تسمع من بعض صديقاتها في المدرسة كيف تعامل الأم ابنتها "الشقية"؛ كيف تمشط لها شعرها وترسله في ضفيرتين صغيرتين وهي تتألم من شد "ماما" ضفيرتيها، أو تستغرق في ضحك بريء عندما تتأكد من وضع "الفيونكة" في مكانها الصحيح بعدما تصر أن تصنع لها أمها الحبيبة "ذيل حصان" يجمل خصلات شعرها الناعم.

- "لو كان عندي حصان لركبته وهربت من هذه الحياة القاسية"، قالت لنفسها ذلك وهي تسرع إلى الحمام المتهالك في بيتهم القديم.. بللت وجهها بقطرات من الماء المنسكب بخجل من الصنبور الذي نادراً ما تزوره المياه بانتظام.. ارتدت المريلة الوحيدة التي تملكها بعد أن جمعت شعرها في خصلة واحدة مجعدة، وأسرعت لتناول الإفطار.

كان في انتظارها على ورقة الجريدة المفرودة على الحصير المتهالك ـ الذي لم ينجح رغم "أصالته" في إخفاء البلاط الأسود القبيح ـ رغيفُ خبزٍ لا ملامح له، وبقايا جبن "قريش" طالما تمنت أن يكون من النوع الفاخر الذي تحدثها عنه صديقاتها، أو حتى لقمة واحدة من المربى الممزوجة ببعض القشدة البيضاء.. لم تكن تحلم أبدا أن تشرب كوبا من الحليب، أو تأكل بيضة ذات صباح "عادي" من صباحات "الوطن الكبير" مثل غيرها من الأطفال.

حملت حقيبة أثقالها على ظهرها، ومضت تنوء بما دسّته فيها من كتب وكراسات.. تتذكر جيدا الألم الشديد الذي لمحته على وجه أبيها عندما همّ بإخراج ثمن هذه الأشياء "الصغيرة"، التي لم يتجاوز ما دفعه فيها بضعة جنيهات، لكنها كانت كافية للتأثير في ميزانية هذه الأسرة الفقيرة.

جرها والدها بقسوة، ثشبثت بعروستها الورقية، نظر إليها بغضب، كادت صفعة من يده الخشنة تنزل على خدها الناعم: "هل هذا وقت هذه التفاهات؟
- "لو خصموا مني اليوم فلن نستطيع أن نكمل باقي الشهر من غير أن نستدين"، قالها بسرعة وجذبها وهي بالكاد تكاد تلامس الأرض بقدميها بعد أن قفز والدها على درجات السلم المتهالك من غير أن يراعي الفرق بين "خطواتها الصغيرة" و"خطواته الكبيرة".

كان الشارع يضج بالسائرين ككل يوم؛ والسيارات تنهب الأسفلت في تحدٍ وصلَف من غير أن تأبه بالعابرين، كان لا بد أن تعبر هي ووالدها الشارع حتى يتمكنا من ركوب "الأتوبيس".. نظر الوالد حوله نظرات مشتتة ممزوجة بالغضب والقهر وفي جزء من الثانية اتخذ قراره بالعبور .. فوجئت بيد والده تجذبها بقسوة، طارت قدماها من على الأرض من جديد وطارت معها العروسة الورقية وعندما لامست الأرض كانت العروسة تحلق في السماء بعيدا عنها.. تشبثت بيد والدها حاولت أن توقفه ولو لدقيقة واحدة تستعيد فيها حلمها الطائر، تسمرت في الأرض لحظة وصول "الأتوبيس" رفضت بإباء أن تركبه، جذبتها يد والدها الخشنة بقسوة ودستها بعنف وسط الأجساد المتلاصقة، كادت عظامها أن تتحطم من ضغط بقية الركاب على جسدها النحيل، جاهدت للاقتراب من النافذة لم تلق بالا ليد والدها التي هوت بسرعة على خدها وسط لا مبالاة الآخرين كتمت بكاءها وحبست دموعها واستمرت في محاولاتها المستميتة للوصول إلى النافذة، وعندما نجحت، رأت عروستها الورقية ترقد باستسلام تحت حذاء شرطي المرور بعد أن طمست معالمها قذارة تراكمت على الحذاء من كثرة الوقوف في شوارع "الوطن الكبير".




أيمن جمال الدين

الاثنين، 26 أكتوبر، 2009

مثلك كان


مثلك كان

يحمل باقات الزهر

يغني كل الألحان

يفرح بالريح تداعبه

في كل مكان

يلهو خلف فراشات

زاهية الألوان

وتجلجل ضحكته حينا

وسط البستان

..إنساناً كان

يفرح من أعماق القلب

ويبكي عند الأحزان

يتمشّى حين يعوّقه

ضعف السيقان

أدهشه في هذا العالم

ضعف الإنسان

ألجمه عجز الفرسان

أطرق.. خفض الرأس

وعلى صدر الأم استرخى

ثم تمنى

أن يبصر عالمه

عبر الأحلام
أيمن جمال الدين

الأربعاء، 23 سبتمبر، 2009

الفقراء لا يأكلون الفستق


(1)
الفقراء لا يأكلون الفستق، إنما.. يكتفون بالتفرج عليه، وسط سلة من"الأشياء" التي لا يعرفونها.
وفي البلاد التي تنكر حقهم في الضوء، يلتمسون طريقهم وسط بحيرات من العتمة، لا ينيرها سوى قطرة من دمائهم، تتلذذ بها التماسيح!.

*******
(2)
عندما تدرك أنك فقير، تعرف معنى الحرمان من أبسط الأشياء، التي لا تعني في قاموس الآخرين سوى ذرات من العرق، على قميص فاخر،
في اللحظة التي يغادرون فيها سياراتهم باتجاه مكان آخر مغلق وأنيق.

*****
(3)
أن تكون فقيراً لا يعني أن تصبح عبداً يتلذذ بالسياط وهي تحفر أخاديدها على ظهره العاري..
أن تكون فقيراً خير من أن تلتحق بركب لا يرى منك سوى ملامحك الخارجية..
وإذا قررت في لحظة صدق أن تكون إنساناً، بغض النظر عن الفقر والغنى، راقب الزهور وهي تنبت في قلبك، وعندما يحتاج برعمها للري،
لا تبخل عليه بقطرة من دموعك، أو دفقة من شريانك الوحيد.

أيمن جمال الدين

السبت، 22 أغسطس، 2009

الأحد، 2 أغسطس، 2009

تمتمات



(1)


أشعلَ الضوءَ جِوارَ السُنبلةْ

علَّقَ الروحَ هلالاً

فوق صدر المئذنةْ

أطلقَ الصوتَ وفاتْ

بعدما أهدى إلى القمحِ

مفاتيحَ الحياة

*****
سمع الكاهنُ همسَ الأمنيات

أخمدَ البسمة في وجه النباتْ

منع الرِيَّ..

شنقَ النسماتْ

رتّلَ الأفاكُ بعضَ التمتماتْ

شهق الضوءُ وماتْ


(2)

نثرَ القمحَ على وجه الصباحْ

وروى بالدمع أرحام التُرابْ

أخرجَ القمحُ سنابلْ

دفقَ الدمُّ بشريان الحطبْ

غير أن الطائرَ الملعونَ

في كُل ِّالكُتبْ

داس بالكفِّ

على قلبِ النباتْ

قصَّ بالمنقار حبلاً للوريدْ

فانتهى عُمرُ الوليدْ

*****


(3)

أنبتَ الحرفُ زهورَ الكلماتْ

..ثم ماتْ

طار عصفورٌ حزينْ

أعجميُّ الصوتِ

مخنوقُ الوتَرْ

وضعَ الزَّهرَ على غُصن الشجرْ

جاء صيادٌ بليدْ

أبلهُ القَسَمَاتِ

ذو قلبٍ حديدْ

أطلقَ الصيادُ سهماً في السماءْ

فأحالَ الطيرَ بعضاً مِن دماءْ

مرَّ ريحْ

فوقَ زَهْرِ الغُصنِ

والطيرِ الذَّبيحْ

سقط الحرفُ..

وروّته الدماءْ

نبتتْ مِن رَحِمِ الأرضِ قصيدةْ

*****

(4)

رسمَ الفنانُ عُصفوراً

على غُصنِ نَباتْ

قُربَ دارٍ

سقفُها بعضُ حَطَبْ

حلَّقَ العُصفورُ

فوق الشُّرفاتْ

جاء حيناً وذهبْ

رعشةُ الخوفِ

بقلب الكائناتْ

هزت الفنانَ يوماً فانتفضْ

سقطتْ فرشاتُهُ فوقَ الدواة

ثُمَّ صارَ اللونُ بركانَ غضبْ

أشعلَ النارَ بأعوادِ الحَطَبْ

غمسَ العُصفورُ ريشاً

في المدادْ

وكتب:

فوق ذاك اللوحِ

في الركن البعيدْ

أصبح البيت السعيدْ

قفصَ الروحِ الجديدْ

سقفه بال حديد

*****


أيمن جمال الدين
1/8/2009

الاثنين، 1 يونيو، 2009

"السر الكبير"


لا يعرف أحد سره سواه.. يتسلل بهدوء في الليل إلى الشرفة.. يبحث عنها في الظلام حتى يجدها، ثم لا يلبث أن يدخل وهو يحس بسعادة عظيمة كمن وجد كنزا.

كانت الأيام الثلاثة التي لا يتمكن فيها من رؤيتها تمر عليه ثقيلة بطيئة وكأنها ثلاثة أعوام، وكثيرا ما تمنى أن يخلو الشهر منها، وعادة ما كان يمزق الأوراق التي تشير إليها في النتيجة المعلقة على جدار الصالة استعجالا لانتهائها.

اعتقد معظمهم بأنه لشدة حيائه وخجله المرضي لا يقوى على الوقوف في الشرفة نهارا ومواجهة الجيران الذين اصطفت شرفاتهم أمام البيت على غير نظام في الحي الشعبي القديم الذي شهد سنوات طفولته الأولى ومراهقته.

عندما بلغ السابعة اشتكى لوالده أنه لم يعد يراها.. اصطحبه الوالد إلى طبيب العيون.. قرر بعد فحص سريع أنه يحتاج نظارة طبية.. كتب مواصفاتها في ورقة صغيرة من تلك التي يتفنن الأطباء في اختصارها ربما تقليلا للنفقات، أو لغرض آخر لم يفهمه.. وانصرفا...

ـ ليست مناسبة لك، إنها كبيرة على وجهك.
قالها البائع في أدب وهو يقدم له عشرات النظارات.
ـ لا يهم، المهم أنني أستطيع رؤية الأشياء بها بوضوح.
ـ قال لي والدك إن الشمس تؤذي عينيك.. هناك نوع أفضل من العدسات؛ رمادية، أو بنية، وهناك نوع يتغير بمجرد سطوع ضوء الشمس، وهناك نوع رائع عاكس للأشعة الضارة، لكنه أغلى قليلا.
ابتسم الوالد في حنان، وكست ضحكة جميلة وجهه وهو يقول للبائع:
ـ أرجوك، دعه يختارها بنفسه، إنها نظارته هو، يفضل دائما العدسات البيضاء الكبيرة، والنظارات التي تغطي عينيه بالكامل.
كان يعرف ما الذي يريده بالضبط، فهو الوحيد الذي استطاع اكتشاف سره.
استسلم البائع، في النهاية، حدد موعدا لاستلام النظارة..
كان أول شيء فعله بها أن خرج إلى الشرفة في الظلام وحده يبحث عنها.. أحس بسعادة غامرة بعد أن وجدها من جديد، أغلق النافذة، ودخل إلى فراشه، واستسلم لنوم عميق.

مرت سنوات طويلة.. تغيرت ملامحه.. لم يعد يسمح لشعره بالنمو أطول من اللازم كما تعود أصدقاؤه على رؤيته، اكتشف أخيرا أن الشعر القصير مناسب له أكثر، اهتم بهيئته، أصبح حريصا على ارتداء الملابس الأنيقة، لكن الذي كان يحير كل من يقابله هي النظارة الكبيرة التي تغطي عينيه، والتي ما زال الباعة يصرون على أنها غير مناسبة له، على الرغم من أنه غيّر عشرات النظارات وارتدى مختلف الماركات.

انتقل إلى منزل جديد بعد أن تزوج، منزل متميز في حي راق تغمره الأضواء البديعة المبهرة..انصرف المدعوون وهم يتمنون له ليلة سعيدة.. قبيل الفجر بنحو ساعة تسلل إلى الشرفة بعد أن تأكد من نوم زوجته.. بحث عنها، كانت أول مرة لا يتمكن من رؤيتها، غيَّر مكانه، قطع الشرفة جيئة وذهابا كالمجنون، وهو يحاول عبثاً أن يراها.. أحست زوجته بغيابه، ليس من عادة عريس جديد أن يغادر فراشه في هذا الوقت.. بحثت عنه في كل مكان بالمنزل فلم تجده، لمحت باب الشرفة مواربا، ورأته يغير زاوية نظره كالمجنون، تساءلت بدهشة: هل أخفى عنها أنه يدخن وخرج لكي ينفث دخان سيجارته بعيدا عنها؟ تراجعت عن هذه الفكرة سريعاً، فلم تكن هناك أي رائحة أو دخان.. اقتحمت عليه الشرفة، شعرت بغضب شديد في عينيه ربما للمرة الأولى، نظرت تجاه شرفة قريبة فرأت جارتها الحسناء تقف في النافذة في أبهى زينة، أسرعت بالدخول غاضبة والدموع تملأ عينيها.. أسرع وراءها يحاول استرضاءها، فشلت كل محاولاته، أصرت على أن تشتكيه لأبيه، فهو الوحيد الذي يستطيع التأثير فيه كما قالوا لها.

رفعت سماعة الهاتف، اتصلت به، على الرغم من تأخر الوقت، ضحك بشدة وعلا صوته في هيستيريا وهو يستمع إلى ما حدث منها، طمأنها بشدة..
ـ لم يكن ينظر إلى جارتكم.. أنا متأكد.
ـ لقد رأيته بنفسي، لم يكن في الشرفة غيرها، كل الجيران كانوا يغطون في نوم عميق.
ـ حتى لو كان الوضع كما تقولين، أنا متأكد أنه لم يكن ينظر إليها.. أنا الوحيد الذي أعرف سره.

انتظرت في شوق إلى مساء اليوم التالي.. حضر والده الطيب في الموعد الذي حدده تماما، ابتسم وهو يصافحها ابتسامة ذات مغزى، وجلس على الأريكة في هدوء.. لم تستطع الانتظار طويلا، سألته بسرعة عن السر، نظر إلى ابنه في حنان وقال له:
ـ هل وجدتها؟
ـ للأسف، لا.. حاولت ولكنني لم أستطع، يبدو أنني لابد أن أقوم بزيارة لطبيب العيون قريبا.
قالها بحزن غير عادي، وهو ينظر بخجل إلى الأرض، وغير بعيد يتطاير الشرر من عين الزوجة الغاضبة في ليلة عرسها الأولى.
ـ تعالي يا ابنتي.. اجلسي، سأشرح لك كل شيء بالتفصيل.
جلست وهي تحاول اصطناع الهدوء.. بعد قليل انطلقت ضحكة كبيرة منها لم تستطع كتمانها.. ثم نظرت إليه بحب والسعادة تقفز من عينيه بعد أن قدم له الأب هدية زواجه.
ـ تفضَّل.. تعبت كثيرا حتى وصلت إليه، من الصعب الحصول عليه خارج الأماكن العسكرية، كنت متأكدا أنك لن تستطيع رؤيتها وسط كل هذه الأضواء المبهرة في الحي الجديد.
لم يستطع الانتظار، أخذه بسرعة وخرج إلى الشرفة، بحث عنها، من حسن حظه أن وجدها في زاوية أخرى غير التي تقف فيها جارته الحسناء.. اكتسى وجهه بفرح طفولي، دخل وأغلق الباب بهدوء.. أخيرا استطاع رؤيتها بمنظاره الليلي الجديد.. نجمة صغيرة تسكن في فلك كبير.



أيمن جمال الدين


الخميس، 12 مارس، 2009

إنت اللي ف ايديك الشفا


إلى "محمد أسامة" و"شيماء زايد"، وكل "صناع الحياة" الذين منحوني أملا في غد مشرق هم شموسه وفجر جديد نسجوا بشموعهم الرقيقة أول خيوطه.


عـمّال تدّور عـ الصـديق

نفسـك فـ يوم تلقى الوفا

عطشـان وتايه فـ الطريق

بـردان ومحـتاج الدفـا

عايش بتصـرخ م الجراح

وانت اللي ف ايديك الشفا

تبكي على العمر اللي راح

وبتشـتكي طـول الجفا


*****

عمر الوفا ما يكون دموع

تنزل تطبطب في الخفا

أو بابتسام ويّا الشموع

يملا القلوب ساعة صفا

دا بيتخلق جوّه الضلوع

مهما الصديق زَلّ وهَفَا

*****

كل اللي محتاجه إيمان

يملا النفوس حب ودفا

وقلوب بتنبض بالحنان

وعيون في نظرتها الشفا
أيمن جمال الدين

الأحد، 1 مارس، 2009

الأحلام الضائعة


يوم ورا يوم أحلامنا بتكبر

وبنتمنى نحقق أكـتر

لكن فجأة بنصحى نفكر

ليه الحلم جناحه اتكسر

*****

مرة حلمت بإني باطير

ليا جناح زي العصافير

بس لقيت الخوف جوايا

من صياد تدبيره خطير

*****

مرة حلمت بإني قمر

طول الليل مليان بالنور

لكن غيمة..قبل مطر

حجبت نوري بكل غرور

*******

مرة حلمت بإني سفينة

وسط الموج ماشية بتتمخطر

لكن فجأة شوية ريح

قلبوا الحلم وشفت الأخطر

*****

مرة حلمت بإني شجر

في البستان مليان بالخير

لكن غصني وورقي الأخضر

جا النجار واداه للغير

****

لما كبرت وشفت الدنيا

قلت لنفسي بشكل صريح

عمر الحلم لوحده ما يكبر

جوه خيالي وعزمي كسيح

*****

طول ما الحلم خيال في خيال

يبقى حقيقي عسير ومحال

لازم فورا نعمل شيء

وبإصرار نبدأ في الحال

*****

طول ما الكون مفتوح قدامنا

وبنتامل فيه ونفكر

جايز يوم تصدق أحلامنا

واللي بنحلم بيه يتفسر


أيمن جمال الدين

الخميس، 5 فبراير، 2009

مشيت العمر وحداني



للشعر مذاق خاص مهما كانت اللهجة التي يكتب بها، أو اللغة التي تحتويه.. ومنذ سنوات وصوت شاعرنا الكبير عبد الرحمن الأبنودي يتردد في أذني في روائعه باللهجة العامية ذات اللكنة الصعيدية الخاصة التي تجعلنا نعيش في قلب الريف المصري بكل ما فيه من الحب والخير والجمال..فإلى استاذي الكبير صاحب "جوابات حراجى القط" و" الهلالية" و"الحارة الفلسطينية" أهدي هذه القصيدة المتواضعة.


مشيت العمر وحداني

وجوه القلب أحزاني

لا نور يضوي

في عزِّ الليل..

ولا لِيَّا ..

في خوفي دليل

ولا مركبْ

تعدِّي النيل

ولا دمعة ..

في أجفاني

تطفي جمر بركاني


******

أروح لبعيد ..

وتنده لي

وأنا ماشي

على مهلي

وتتمنى..

تشوف الفرحة في عيوني

ويرجع لي الأمل تاني

وتسبقني..

تحط الوردة قُدَّامِي

ويملا العِطر بُستاني

وأنا سارح في أحزاني

..ومش شايف..

ما بين الورد

غير الشُوك

ووحداني..

وجوّة القلب أحزاني


*****

وأنا ماشي على شوكي

لقيت الحب في عيونها

بيغويني..

ونار الرغبة تشويني

..تفكرني بأشواقي

وأنا ناسي..

وتشرب حب من كاسي

وأنا قاسي..


*****

يا روح الروح

يا نبضة ..

في قلب طير مجروح

بتتمني تواسيني..

وتاخديني في أحضانك

تدفيني..

وتديني..

أمل تاني..

وأنا سارح في أحزاني

ومش شايف..

ما بين الورد غير الشوك

ووحداني..



أيمن جمال الدين

الثلاثاء، 27 يناير، 2009

تجرحني الشوكة لكن ..لا يذبحني السكين

في العام الخامس

من عمري

أدركت بأني مسكين

فأنا تجرحني الشوكة

لكن ..

لا يذبحني السكين

*****

وخطوت على درب الدنيا

وفتحت ذراعي..

وشعرت بأني..

مثل الراعي

وبأن العالم

جزء من مملكتي

ومضيت إلى العام العشرين

لكني أدركت بأني ..

ما زلت الطفل المسكين

تجرحني الشوكة

لكن ..

لا يذبحني السكين

أيمن جمال الدين