الاثنين، 1 يونيو، 2009

"السر الكبير"


لا يعرف أحد سره سواه.. يتسلل بهدوء في الليل إلى الشرفة.. يبحث عنها في الظلام حتى يجدها، ثم لا يلبث أن يدخل وهو يحس بسعادة عظيمة كمن وجد كنزا.

كانت الأيام الثلاثة التي لا يتمكن فيها من رؤيتها تمر عليه ثقيلة بطيئة وكأنها ثلاثة أعوام، وكثيرا ما تمنى أن يخلو الشهر منها، وعادة ما كان يمزق الأوراق التي تشير إليها في النتيجة المعلقة على جدار الصالة استعجالا لانتهائها.

اعتقد معظمهم بأنه لشدة حيائه وخجله المرضي لا يقوى على الوقوف في الشرفة نهارا ومواجهة الجيران الذين اصطفت شرفاتهم أمام البيت على غير نظام في الحي الشعبي القديم الذي شهد سنوات طفولته الأولى ومراهقته.

عندما بلغ السابعة اشتكى لوالده أنه لم يعد يراها.. اصطحبه الوالد إلى طبيب العيون.. قرر بعد فحص سريع أنه يحتاج نظارة طبية.. كتب مواصفاتها في ورقة صغيرة من تلك التي يتفنن الأطباء في اختصارها ربما تقليلا للنفقات، أو لغرض آخر لم يفهمه.. وانصرفا...

ـ ليست مناسبة لك، إنها كبيرة على وجهك.
قالها البائع في أدب وهو يقدم له عشرات النظارات.
ـ لا يهم، المهم أنني أستطيع رؤية الأشياء بها بوضوح.
ـ قال لي والدك إن الشمس تؤذي عينيك.. هناك نوع أفضل من العدسات؛ رمادية، أو بنية، وهناك نوع يتغير بمجرد سطوع ضوء الشمس، وهناك نوع رائع عاكس للأشعة الضارة، لكنه أغلى قليلا.
ابتسم الوالد في حنان، وكست ضحكة جميلة وجهه وهو يقول للبائع:
ـ أرجوك، دعه يختارها بنفسه، إنها نظارته هو، يفضل دائما العدسات البيضاء الكبيرة، والنظارات التي تغطي عينيه بالكامل.
كان يعرف ما الذي يريده بالضبط، فهو الوحيد الذي استطاع اكتشاف سره.
استسلم البائع، في النهاية، حدد موعدا لاستلام النظارة..
كان أول شيء فعله بها أن خرج إلى الشرفة في الظلام وحده يبحث عنها.. أحس بسعادة غامرة بعد أن وجدها من جديد، أغلق النافذة، ودخل إلى فراشه، واستسلم لنوم عميق.

مرت سنوات طويلة.. تغيرت ملامحه.. لم يعد يسمح لشعره بالنمو أطول من اللازم كما تعود أصدقاؤه على رؤيته، اكتشف أخيرا أن الشعر القصير مناسب له أكثر، اهتم بهيئته، أصبح حريصا على ارتداء الملابس الأنيقة، لكن الذي كان يحير كل من يقابله هي النظارة الكبيرة التي تغطي عينيه، والتي ما زال الباعة يصرون على أنها غير مناسبة له، على الرغم من أنه غيّر عشرات النظارات وارتدى مختلف الماركات.

انتقل إلى منزل جديد بعد أن تزوج، منزل متميز في حي راق تغمره الأضواء البديعة المبهرة..انصرف المدعوون وهم يتمنون له ليلة سعيدة.. قبيل الفجر بنحو ساعة تسلل إلى الشرفة بعد أن تأكد من نوم زوجته.. بحث عنها، كانت أول مرة لا يتمكن من رؤيتها، غيَّر مكانه، قطع الشرفة جيئة وذهابا كالمجنون، وهو يحاول عبثاً أن يراها.. أحست زوجته بغيابه، ليس من عادة عريس جديد أن يغادر فراشه في هذا الوقت.. بحثت عنه في كل مكان بالمنزل فلم تجده، لمحت باب الشرفة مواربا، ورأته يغير زاوية نظره كالمجنون، تساءلت بدهشة: هل أخفى عنها أنه يدخن وخرج لكي ينفث دخان سيجارته بعيدا عنها؟ تراجعت عن هذه الفكرة سريعاً، فلم تكن هناك أي رائحة أو دخان.. اقتحمت عليه الشرفة، شعرت بغضب شديد في عينيه ربما للمرة الأولى، نظرت تجاه شرفة قريبة فرأت جارتها الحسناء تقف في النافذة في أبهى زينة، أسرعت بالدخول غاضبة والدموع تملأ عينيها.. أسرع وراءها يحاول استرضاءها، فشلت كل محاولاته، أصرت على أن تشتكيه لأبيه، فهو الوحيد الذي يستطيع التأثير فيه كما قالوا لها.

رفعت سماعة الهاتف، اتصلت به، على الرغم من تأخر الوقت، ضحك بشدة وعلا صوته في هيستيريا وهو يستمع إلى ما حدث منها، طمأنها بشدة..
ـ لم يكن ينظر إلى جارتكم.. أنا متأكد.
ـ لقد رأيته بنفسي، لم يكن في الشرفة غيرها، كل الجيران كانوا يغطون في نوم عميق.
ـ حتى لو كان الوضع كما تقولين، أنا متأكد أنه لم يكن ينظر إليها.. أنا الوحيد الذي أعرف سره.

انتظرت في شوق إلى مساء اليوم التالي.. حضر والده الطيب في الموعد الذي حدده تماما، ابتسم وهو يصافحها ابتسامة ذات مغزى، وجلس على الأريكة في هدوء.. لم تستطع الانتظار طويلا، سألته بسرعة عن السر، نظر إلى ابنه في حنان وقال له:
ـ هل وجدتها؟
ـ للأسف، لا.. حاولت ولكنني لم أستطع، يبدو أنني لابد أن أقوم بزيارة لطبيب العيون قريبا.
قالها بحزن غير عادي، وهو ينظر بخجل إلى الأرض، وغير بعيد يتطاير الشرر من عين الزوجة الغاضبة في ليلة عرسها الأولى.
ـ تعالي يا ابنتي.. اجلسي، سأشرح لك كل شيء بالتفصيل.
جلست وهي تحاول اصطناع الهدوء.. بعد قليل انطلقت ضحكة كبيرة منها لم تستطع كتمانها.. ثم نظرت إليه بحب والسعادة تقفز من عينيه بعد أن قدم له الأب هدية زواجه.
ـ تفضَّل.. تعبت كثيرا حتى وصلت إليه، من الصعب الحصول عليه خارج الأماكن العسكرية، كنت متأكدا أنك لن تستطيع رؤيتها وسط كل هذه الأضواء المبهرة في الحي الجديد.
لم يستطع الانتظار، أخذه بسرعة وخرج إلى الشرفة، بحث عنها، من حسن حظه أن وجدها في زاوية أخرى غير التي تقف فيها جارته الحسناء.. اكتسى وجهه بفرح طفولي، دخل وأغلق الباب بهدوء.. أخيرا استطاع رؤيتها بمنظاره الليلي الجديد.. نجمة صغيرة تسكن في فلك كبير.



أيمن جمال الدين


هناك تعليق واحد:

شيماء زايد يقول...

نجمة صغيرة تسكن في فلك كبير

وكم من اشياء صغيره توضع في جعبة الاسرار لتحتفظ بقيمتها

كبير هو هذا السر والاكبر ما خلف السر والأروع براعه غزل هذه التحفه الانسانيه الادبيه علي نول الاسرار

تحياتي استاذي ومبدع العائله الكبير
وإليك تحيه مع كل نجمة ليلية نثرها القمر